صديق الحسيني القنوجي البخاري

203

أبجد العلوم

التراكيب ، والخالص من الضرورات اللسانية فليهجرها ، فإنها تنزل بالكلام عن طبقة البلاغة . وقد حظر أئمة اللسان عن المولّد وارتكاب الضرورة ، إذ هو في سعة منها بالعدول عنها إلى الطريقة المثلى من الملكة . ويجتنب أيضا المعقد من التراكيب جهده ؛ وإنما يقصد منها ما كانت معانيه تسابق ألفاظه إلى الفهم . وكذلك كثرة المعاني في البيت الواحد ، فإن فيه نوع تعقيد على الفهم ، وإنما المختار منه ما كانت ألفاظه طبقا على معانيه أو أوفى ، فإن كانت المعاني كثيرة كان حشوا ، واستعمل الذهن بالغوص عليها ، فمنع الذوق عن استيفاء مدركه من البلاغة . ولا يكون الشعر سهلا إلا إذا كانت معانيه تسابق ألفاظه إلى الذهن . ولهذا كان شيوخنا رحمهم اللّه يعيبون شعر أبي إسحاق بن خفاجة شاعر شرق الأندلس لكثرة معانيه وازدحامها في البيت الواحد ، كما كانوا يعيبون شعر المتنبي والمعري بعدم النسج على الأساليب العربية - كما مر - فكان شعرهما كلاما منظوما نازلا عن طبقة الشعر ؛ والحاكم بذلك هو الذوق . وليجتنب الشاعر أيضا الحوشي من الألفاظ والمقعّر ، وكذلك السوقي المبتذل بالتداول بالاستعمال ، فإنه ينزل بالكلام عن طبقة البلاغة أيضا فيصير مبتذلا ، ويقرب من عدم الإفادة ، ويبعد عن رتبة البلاغة إذ هما طرفان . ولهذا كان الشعر في الربّانيات والنبويات قليل الإجادة في الغالب ولا يحذق فيه إلا الفحول وفي القليل على العشر ، لأن معانيها متداولة بين الجمهور فتصير مبتذلة لذلك . وإذا تعذر الشعر بعد هذا كله فليراوضه ويعاوده فإن القريحة مثل الضرع يدر بالامتراء « 1 » ، ويجف بالترك والإهمال . وبالجملة فهذه الصناعة وتعلمها مستوفى في كتاب ( العمدة ) لابن رشيق ، وقد ذكرنا منها ما حضرنا بحسب الجهد ، ومن أراد استيفاء ذلك فعليه بذلك الكتاب ففيه البغية من ذلك ، وهذه نبذة كافية واللّه المعين » « 2 » . * * *

--> ( 1 ) امترى الشيء : استخرجه . وامترى الناقة : حلبها ( المعجم الوسيط : ص 866 ) . ( 2 ) آخر ما نقله عن ابن خلدون ( ص 666 ) .